أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

161

العقد الفريد

فقلت : واللَّه لقد جمع اللَّه لك خلال « 1 » الفضل ، وحباك بالكمال الرائع ، والعقل الزائد ، والأخلاق المرضية ، والأفعال السنية . فقالت : أما تعرف لمن هذا الصوت ومن غنّى به ؟ قلت : لا واللَّه . قالت : الغناء لإسحاق ، والشعر لفلان ، وكان سببه كذا وكذا . . . فقلت : هذا واللَّه أحسن من الغناء . فلم تزل تلك حالها في كل صوت تغنيه ، ومع ذلك تشرب وأشرب ؛ حتى إذا كان عند انشقاق الفجر ، جاءت عجوز كأنها داية « 2 » لها ، فقالت : أي بنية ، إن الوقت قد حضر ، فإذا شئت فانهضي . فلما سمعت مقالها نهضت ؛ فقالت : عزمت ؟ قلت : إي واللَّه . فقالت : مصاحبا للسلامة ، [ عزمت ] عليك لتسترنّ ما كنا فيه ، فإن المجالس بالأمانة . فقلت جعلت فداك ، أفأحتاج إلى وصية في ذلك ؟ فودعتها وودعتني ، وقالت : يا جارية ، بين يديه . فأتي بي باب في ناحية الدار ففتح لي وأخرجت منه إلى طريق مختصرة ، وبادرت البيت ، فصليت ووضعت رأسي ، فما انتبهت إلا ورسل الخليفة على الباب ؛ فقمت فركبت فسرت إليه ، فلما مثلت بين يديه قال لي : يا إسحاق ، جفوناك بما كنا ضمنّاه لك ، وتشاغلنا عنك . فقلت : يا سيدي ، ليس شيء آثر عندي وأسرّ إلى قلبي من سرور يدخل على أمير المؤمنين فإذا كمل سروره وطاب عيشه فعيشنا يطيب وسرورنا يتصل بسروره . ثم قال : ما كانت حالتك ؟ قلت : يا سيدي كنت اشتريت من السوق صبية ، وكنت متعلق القلب بها ، فلما تشاغل أمير المؤمنين عني ، وقد كانت فيّ بقية طالبتني نفسي بها ، فمضيت مسرعا وأحضرتها ، وأحضرت نبيذا فسقيتها وشربت معها ، وغلب عليّ السكر فقطعت عما أردت ، وذهب بي النوم إلى أن أصبحت . فقال لي : ما أكثر ما يتهيأ على الناس من هذا . فهل لك في مثل ما كنا فيه أمس ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين وهل أحد يمتنع من ذلك ؟ قال : فإذا شئت [ فانهض بنا ] فنهض ونهضت ، فصرنا إلى المجلس الذي كنا

--> ( 1 ) الخلال : السمات والصفات . ( 2 ) الدّاية : المرضع الأجنبية أو الحاضنة أو القابلة .